سميح دغيم

151

موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي

وإلّا انقلب جهلا . وليس كذلك حال الإرادة ؛ لأنّها تتناول حدوث الشيء ولا تتعلّق به على ما هو به . وهي في بابها بمنزلة الاعتقاد الذي قد يتعلّق بالشيء على ما هو به وعلى ما ليس به ؛ لأنّها لا تكون إرادة بأن تقع على وجه مخصوص ، فهي جنس الفعل كالاعتقاد فحملها عليه أولى من حملها على العلم ( ق ، غ 11 ، 159 ، 13 ) - إنّ العلم ، وإن كان يتعلّق بالشيء على ما هو به ، فإنّه لا يصير علما على ما هو به ، فمكان العلم . كما لا يصير العلم علما ، لكون معلومه على ما هو به . وقد شرحنا ذلك من قبل ، فإذا لم يجب ذلك في العلم ، فبأن لا يجب ذلك في الاعتقاد أولى . وكان يجب ، على قولهم هذا ، إذا كان الإنسان قادرا على الاعتقادات المختلفة في الأمور ، أن يقدر أن يجعلها على الصفات التي يصحّ أن يعتقدها فيه ، فيجعل السواد مرّة سوادا ، ومرّة بياضا ، والجسم مرّة قديما ، ومرّة محدثا ، وقد علمنا أنّه إن كان قديما لم يجز أن يتغيّر حاله وإن كان محدثا فكمثل ( ق ، غ 12 ، 49 ، 8 ) - إنّ الاعتقاد الذي لا يأمن فاعله أن يكون جهلا ، إنّما يقبح متى لم يتعلّق وجوده بوجود غيره من الأسباب الموجبة . أو لم يختره من قد عرف طرائق العلم من قبل ، وفصل بينه وبين غيره ؟ لأنّه إذا عرف ذلك ، وتذكّر نظره ، وما حصل عليه بعد النظر من سكون النفس إلى ما عرفه ، صار ما يختاره من الاعتقاد عنده في أنّه قد اختاره عند أمر يبعد كونه جهلا ويقرب كونه علما ، أبلغ مما يفعله عن النظر ، فوجب القضاء بحسنه ( ق ، غ 12 ، 251 ، 16 ) - إنّ من حقّ الاعتقاد أن لا يحسن من المكلّف أن يقدم عليه إلّا تابعا لغيره مما يخرج به من أن يكون في حكم المبخّت الجاهل . ومتى أقدم عليه ، لا على هذا الوجه كان مقدما على قبيح . كما أن الخبر لا يحسن منه الإقدام عليه ؛ إلّا مع العلم بحال المخبر ، وإلّا كان في حكم الكاذب . وإنّما يخرج الاعتقاد من أن يكون كذلك ، بأن يقع عن النظر في الأدلّة ، أو بأن يفعله مع تذكر الأدلّة . لأنّه متى كان كذلك أمن فيه أن يكون جهلا ، ومتى أقدم عليه لا على هذا الوجه لم يأمن كونه جهلا . وقد علمنا أنّه كما يقبح الجهل ، فكذلك يقبح الإقدام على ما لا يأمنه جهلا ؛ بل لو لم يقبح ذلك ، لم يقبح الجهل . وذلك لأنّ المكلّف قبل إقدامه على الاعتقادات لا يعرف أنّه جهل ، وإنّما يعرف ذلك من بعد . فلو لم يقبح الإقدام على ما لا يأمن فيه ذلك ، لم يقبح الجهل أيضا . فإذا صحّ ذلك بما ذكرناه وبما قدّمناه من قبل في هذا الكتاب ، فيجب أن لا يحسن من المكلّف أن يعتقد في اللّه ، تعالى ، وفي سائر ما يلزم من التوحيد والعدل ما هو عليه أو خلافه ، إلّا بأن ينظر في الأدلّة ، على ما قدّمناه ، وإلّا لم يأمن كونه جهلا . وهذا قبيح لا يجوز من الحكيم أن يكلّفه العبد ، كما لا يحسن أن يكلّفه الخبر الذي لا يأمن كونه كذبا ( ق ، غ 12 ، 526 ، 16 ) - أمّا الاعتقاد فقد يقبح لأمرين : أحدهما لأنّه جهل ، والآخر لأنّه لا يأمن أن يكون جهلا ، ويدخل في هذين كل ما يقبح من الاعتقاد ، وإنما يخرج عنهما ما يكون علما ، بأن يعلمه المكلّف أنّه يقع علما ، أو يعلم أنّه مما يختاره عن نظر قد حسن في عقله ، أو عند ذكر الأدلّة ، على ما تقدّم القول فيه في باب المعرفة ، لأنّه